ابن أبي العز الحنفي

525

شرح العقيدة الطحاوية

عثمان ، فلم تبق من أصحاب بدر أحدا . ثم وقعت الفتنة الثانية ، فلم تبق من أصحاب الحديبية أحدا . ثم وقعت الثالثة ، فلم ترتفع وللناس طباخ ، أي عقل وقوة . فالخوارج والشيعة حدثوا في الفتنة الأولى ، والقدرية والمرجئة في الفتنة الثانية ، والجهمية ونحوهم بعد الفتنة الثالثة . فصار هؤلاء الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً الانعام : 159 - يقابلون البدعة بالبدعة ، أولئك غلوا في عليّ ، وأولئك كفّروه ! وأولئك غلوا في الوعيد ، حتى خلدوا بعض المؤمنين ، وأولئك غلوا في الوعيد حتى نفوا بعض الوعيد أعني المرجئة ! وأولئك غلوا في التنزيه حتى نفوا الصفات ، وهؤلاء غلوا في الإثبات ، حتى وقعوا في التشبيه ! وصاروا يبتدعون من الدلائل والمسائل ما ليس بمشروع ، ويعرضون عن الأمر المشروع ، وفيهم من استعان على ذلك بشيء من كتب الأوائل : اليهود والنصارى والمجوس والصابئين ، فإنهم قرءوا كتبهم ، فصار عندهم من ضلالتهم ما أدخلوه في مسائلهم ودلائلهم ، وغيّروه في اللفظ تارة ، وفي المعنى أخرى ! فلبسوا الحق بالباطل ، وكتموا حقّا جاء به نبيهم ، فتفرقوا واختلفوا وتكلموا حينئذ في الجسم والعرض والتجسيم ، نفيا واثباتا . وسبب ضلال هذه الفرق وأمثالهم ، عدولهم عن الصراط المستقيم ، الذي أمرنا اللّه باتباعه ، فقال تعالى : وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ ، وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ الانعام : 153 . وقال تعالى : قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي يوسف : 108 فوحّد لفظ « صراطه » و « سبيله » ، وجمع « السبل » المخالفة له . وقال ابن مسعود رضي اللّه عنه : خط لنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم خطّا ، وقال : « هذا سبيل اللّه ، ثم خطّ خطوطا عن يمينه وعن يساره ، وقال : هذه سبل ، على كل سبيل شيطان يدعو إليه ، ثم قرأ : وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ ، وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ، ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ » الانعام : 153 « 810 » . ومن هاهنا يعلم أن اضطرار العبد إلى سؤال هداية الصراط المستقيم فوق كل ضرورة ، ولهذا شرع اللّه تعالى في الصلاة

--> ( 810 ) صحيح ، رواه الحاكم وغيره « تخريج السنة » ( رقم 17 ) .